شنطـــــــة ســــــفر
*شغلوا الاغنية قبل ما تقروا وبعدين اقروا مع الاغنية وهي شغالة
وضع حقيبته على المقعد
الخلفي للسيارة وكاد ان يهم باغلاق الباب حتى باغتته على سهوة رسالة
نصية على هاتفه
المحمول.. فتحها بقلق وهو يتصبب عرقا ‘ ووجدها من حبيبته ‘ ظن انها رسالة
عتاب قبل الرحيل ولكن
وجد بها جملة مقتضبة واحدة:"ارجوك افتح المذياع على موجة 100.6
الآن"..
اغلق الرسالة متعجبا
واغلق الباب وجلس على المقعد وادار المذياع كما طلبت هي وحرك السيارة
متجها إلى مطار القاهرة
الدولي..
شق طريقه بصعوبة بالغة
ما بين السيارات المكتظة بجانب بعضها البعض ‘ وكأن البشر جميعا
اتفقوا ان يتواجدوا في
شوارع قاهرة المعز في آن واحد لوداعه.. لم يجد سوى موسيقى يبدو عليها
قدم الزمن ‘ كاد ان
يرسل لها ماهذه الاغنية التي طلبتي مني ان اسمعها‘ فحين همت المطربة
وصدحت بصوتها الحزين:
"لسه ناوي على
الرحيل تفتكر ملهوش بديل ‘ اعمل ايه في الوحدة وانت مش هنا "
واذ بموجة ذكريات عتيقة
اجتاحته حتى شعر ان السيارة كادت ان تنفجر من اكتظاظ الذكريات
بداخلها.. تذكر أول مرة
حين رأي محبوبته تجلس بين مدرجات جامعته ‘ تذكر أول ابتسامة
منها ‘ أول دفتر
محاضرات طلبه منها متعللا انه لم يستطع ان يكتب جميع ما قاله المحاضر..
مشهد يتلو المشهد الآخر
‘ بركان حممه كانت حارة ملتهبة ‘ تحرق قلبه وتُلهب أجيج الشوق
بداخل كيانه..
جائته رسالة آخرى منه كان
فحواها" تحمل كلمات الاغنية تلك بكل مكنون داخلي ‘ عذرا لم
أقصد العتاب ولكن
الرحيل جاءني غدرا ‘ فأطاحني مقعدة شليلة الحواس"
*******************************************
أغلق الرسالة ونظر حوله
‘ رأى محبوبته شبحا يسبح بملكوتٍ آخر يأخذه إلى سراب بعيد.. بعيد
عن الدنيا ‘ يعود به
مجددا لأول مرة صارحها بحبه..
-أحبك
هي تزداد خجلا واحمرارا
وتجيب:
-انتظرتها كثيرا وخشيت
ألا تقولها
-كيف لا أقولها وانا
منذ أن وقعت عيناي تعلمت الحُب من عيناكِ! كيف يا محبوبتي لا أقولها ولا
أشدو بها وأنا همسك
يطربني ويذيب بداخلي كهوف من الجليد!!
-أمجد كنت حلما طال معي
في أيام السمر فأصبح واقعا قرمزي اللون!
أمسك يدها بكل رقة وطبع
قبلة بشفاهٍ متعطشة لانتهال العشق من قلبها حتى الرمق الآخير..
صحى من شروده على جملة
كانت ترددها المطربة في الاغنية:
"خت صورتى شوف كده لتكون نسيت عمرى وصباه ولا احساسى بكيانى
وبالحياه"
فسقطت دمعة سهوا منه وتذكر حين ذهب بكل أحلامه وصباه إلى والده ليخبره
انه وجد من
ستشاركه حياته ‘ في البداية رحب والده كثيرا ! فهاهو كبر الشبل ونضج
وأراد ان يتزوج
وبالفعل بعد اسبوع كان يجلس مع والده في بيت محبوبته مع أهلها وذوويها
وتم الاتفاق
بينهم وقررت الأسرتين ان يجتمع الشمل.. لكن القدر يلعب لعبته فيشتعل فتيل
الثورة
بين أبناء وطنه ‘ فتنقسم الأهالي فكريا وسياسيا وتنضرم النيران بين
القلوب ‘ لم تحرق
الثورة فقط كل فاسد ‘ بل نشبت الحريق بين الجميع ونسوا أن الوطن من دون
وحدتهم
وخوفهم عليه سيغرق .. بدأ الاختلاف الفكري يظهر ما بين العائلتين ..اخترق
الخلاف
الفكري كصاروخا يهدم أحلام أمجد مع محبوبته سارة ‘ لم يستطيعا ان يوفقا
ما بين
العائلتين ..وفي يوم جاء والد أمجد بكل ضيق وقال:
-لم يعد يا بني نستطيع ان نناسب عائلة أفكارها سامة مثلهم
-ولكن يا أبي ما بالي انا وما بال سارة بأفكاركم المختلفة؟
- يا بني الشجرة الفاسدة ستطرح ثمارا فاسدة ولا أريد لأحفادي أفكارا تعيث
فسادا بنفوسهم وعقولهم!
-يا أبي اخرجني انا وسارة خارج تلك الدائرة
نظر والد أمجد وقد ضاقت عيناه وقال بكل صرامة:
انتهى الحديث ولن أقبل المزيد ‘ وإن كان على الحب ستجده مع فتاة غيرها
تفكر مثلنا
************************************
في الاتجاه الآخر كان والد سارة يقول لها أيضا بكل غضب:
لم أعد أراه صالحا لك يا بنيتي
-يا أبي لماذا؟ لقد كنت أكثر انسانا يشجعني على هذه الزيجة؟!
-بعد الثورة اتضحت أفكارهم العفنة
-ولكننا كنا سنتزوج قريبا يا أبي؟!
-حمدا لله اننا لم نتسرع واننا اكتشفنا معدنهم الأصلي ‘ أخبري أمجد أن
يأتي وننهي معه كل شيء
لم تسعفها دموعها ولم يسعف أمجد توسلاته لوالده ووالدها ‘ لكنه كان يعلم
انها أقوى منه حين
قالت له:
لن نرضخ لافكارهم يا أمجد ‘ لن نرضخ لهم ‘ أكاد أرى الوطن يصرخ يا أمجد من
أمثالهم! قسما
بالله أراه ينزف من أمثالهم..
-وماذا في استطاعتي يا سارة
-نهرب بحبنا
-أين نهرب؟الكثير مثلهم هنا سيقتل حبنا أينما ذهبنا!! الوطن كله سيرجم
حبنا
صرخت في وجهه قائلة:
-الوطن بريء منهم يا أمجد!! الوطن لم يفرق ما بين أبنائه حتى لو اختلفت
أفكارهم ‘ هم
بمعتقداتهم الغبية هي التي أحرقت الوطن وستحرق حبنا يا أمجد..
-سأرحل من هنا ‘ لم تعد ربوع وطنك يا سارة تسعفني
-وأنا؟ أين سأذهب؟وأحلامنا؟وصبانا يا أمجد؟؟حتى لو هربت لآخر العالم
ستبقى في قيدي انا
ووطنك يا أمجد.. لا مجال للهرب مننا لا مجال
-سأعود بعد ان تخمد نيران البغض التي أكلت من بستان الوطن ‘ سأتي بعد ان
يذهب خريف
أطاح بقلوبنا في مياه عكرة!!
*********************************
استيقظ مرة آخرى من شروده على لوحة تخبره بأنه بعد قليل سيصل إلى مطار
القاهرة الدولي
أوقف سيارته وظل يتأمل اللوحة لدقائق وظل يستمع إلى الأغنية التي صدحت
مجددا قائلة:
"قبل ما تسافر بعمرى اسجن الشوق والمنى
واطلق الصبر فى وريدى قبل ما يطول بعدنا
حتى لو طال بعدنا حتى لو طال بعدنا انت هنا"
واطلق الصبر فى وريدى قبل ما يطول بعدنا
حتى لو طال بعدنا حتى لو طال بعدنا انت هنا"
أدار محرك السيارة مجددا وعاد وهو يردد بصوت عالي:
سارة محقة ‘ لن أترك حبي ولن أترك الوطن فلا مجال للهرب ‘ لا الحب ولا
الوطن ينتظر خذلان
جديد! لا الحب ولا الوطن ينتظرا هروبا جديد!
النهايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة