((
الحلقة السادســـــــــــة ))
وعدت الى الوطن باشواق طفلة عاد اليها ابيها بعد حرب كان
اسير فيها,فاحتضنت وطن اسكنته في عيني كما اسكنتك انت , وتنفست هواء تتنفسه انت,بل
اقسم بانني اتنفس رائحتك وكانك على مقربة مني!
وحين يمتزج جنون الوطن بجنوني لك فترتسم لوحة خطوطها غامضة
والوانها عاشقة.
عدت لاصبح أقرب منك ولأربي طفلي الصغير بين ربوع وطنه
فكفاني غربة بل كفاني هروب من نفسي,وانا التي كنت أظن بانني أهرب منك فوجدتني أهرب من نفسي وأهرب
من وطني وأهرب من جلدي وأحاول ان اختفي من الماضي وراء قناع هش تذروه الرياح.
فقد اخذت غربتي مني كل ماامتلك من حس فني ومرهف ,واخذت مني
انوثتي كما اخذها زوجي السابق مني,واخذتني من نفسي منذ اليوم الذي قررت فيه ان
ارحل من هنا وانا كنت قد نسيت قلمي!مر زمن طويلا ولم اكتب فيها ولا حرف وكانني
اقسمت ان
لا اكتب بعد رحيلك ,فكل الناس سواء من بعدك!
لكنني قررت ان اشرع في الكتابة مجددا وان انشر دواييني ليس
لابتغاء الشهرة فلدي من الشهري مايكفي لعالم من المشاهير ولكن لاستدرجك مرة اخرى الى عالمي الذي هربت
منه. فكنت كل يوم اكتب قصيدة حتى الفت ست دواوين وكلها كنت اكتبها لمجهول,فاحتار
الناس فيني!
الى من تكتب هذه المرأة المجنونة؟
امن المعقول انها تكتب الى زوجها المتوفي؟
*********************************************
انهم يظنون بانني امرأة وفية لانني لم اتزوج وانا مازلت
انثى في ريعان شبابها!مساكين
هؤلاء حين ظنوا باني مثل للوفاء بينما انا امراة خائنة..ارأيت سيدي حبك جعل مني
امرأة خائنة,لم تستطع ان
تمنح زوجها الفقير حباً , قلبها وانما فقط منحته جسدها ولو مرة واحدة كانت ثمرة
لقائهما طفل جميل يشبهك!
وجعلتني ايضا خائنة لك بنظراتك التي كادت ان تقتلني كلما
تذكرتها حينما ظننت انني بعت هواك من اجل حب اخر,لكنك لم تعلم بأنني رضيت بهوان العيش
لاخلصك من قيودي المتعفنة,فمثلي سيدي اذاب العشق كل افكارها وسممت تجاربها العقيمة
روحها.
فأصبحت انثى
بلا انوثة,عار على سيدات زمني ولم اكتفي بذلك ولا اكتفيت انت ايضا بل انك جردتني
من اجمل احاسيسي حين
ادرت ظهرك لي ورحت تغدو وراء سيدة استطاعت ان تحبك لكن اقسم لك انها لا تتفنن
قواعد اللعبة ولا قواعد التضحية مثلي!
انا من تركتك لها ليس لاجل احد سواك.فلا تعاتبني بعد زمن طويل
ولا تجعلني أشعر وكأنني حشرة فقدتك من اجل شيء اخر.
عدت أكتب وأكتب لمجهول فلقبوني بالشاعرة الغامضة,لمن أكتب
ياترى كلماتي هذه؟لمن اسطر كل هذا العشق؟لمن اتجرع كأس العذاب والهوى؟
وحدي انا من أمتلك الاجابة ووحدك أنت من تعلم لمن أكتب!
***********************************
كان يأتيني فصل الشتاء فأتذكر دفئك الحار وأتخيلك معها الان
تدفئها بينما انا جالسة هنا , لا أجد حضن يكتسيني في وحدتي..
فأذهب لادم واحضنه وادفئه واحاول ان استمد منه قوتي لاقوى
على هذا البرد القارس.
إن جل مايؤلمني هو مدى ارتباطي بك وكأنني قد جعلت من كل رجال
العالم انت!
مرت الايام وكبر ادم وأصبح رجلا مثلك,ولطالما كرهت نفسي كل
ماكنت أنظر اليه فأجد في عينيه نظرة تشبه نظرتك!!
لماذا هو يشبهك الى هذا الحد؟ولماذا جعلته يشبهك فيذكرني
بخيانتي لزوجي حين تزوجته وانا قلبي ملك لرجل أخر؟ ولماذا انا تركتك لغيري,لم
تعد تنفع الاسئلة ولم اعد امتلك اجابات لها,وبات السر ثقيل في قلبي.
في يوم اتاني ما كنت اخشى ان يأتيني,اتاني طفلي الرجل بعد
ان دخل الجامعة فرحا مسرورا فقد دق قلبه,اه ياادم لو تعلم كم تلوع قلب امك في
الحبِ
ابتسمت وانا خائفة
وقلت له:
بتحب يا ادم؟!
فقال:
ايووة يا امي
ابتسمت وانا قلبي يرجف خوفا ان يكون حظك سيء مثل حظي وقلت:
وهي؟ بتحبك؟
ادم:
مش عارف لسه ؟
فاغمضت عيني وذُرفت مني دمعة عن غير قصد
فقال لي:
مالك يا امي يا حبيبتي؟
فقلت له:
ولا حاجة يا روحي ‘ اا ا انا بس فرحانة انك كبرت وبقيت راجل
وبقى قلبك بيدق ويحب ! لكن اوعى
يا أدم تسرح في حبك وتنسى تتأكد من شعورها !! مش عايزاك في
يوم تتجرح ولا تتصدم بالحب..
فقال لي وهو سعيد:
باذن الله يا أجمل أم في الدنيا وقبلني وتركني..
*******************************************
كم هي صعبة تلك اللحظة حين اتي طفلي يخبرني
بانه كبر وانه يمتلك قلب يدق حبا !
وكم هو مؤلم حين اخاف فلا أجد يد تتطمئني,اخشى ان يتعذب
طفلي كما تعذبت واخشى من هذا الذي يدعى الحب ان يأسر قلب ادم كما أسر قلبي اما كفاك أيها الحب ان تأخذني
انا الى دنيا لايوجد بها أي معالم؟اما كفاك ان تسحقني في دوامة الاشتياقِ وذاكرة
النسيانِ؟
فلماذا الان تقترب من طفلي؟ان كنت قد جئت لتأخذه الى براكين
الاحزان فكفاك وخذني انا,فانا ماعدت اترجى في هذه الدنيا سوى ان تمنح قلب ادم
السلامِ....
وماهو الا اسبوع حتى اتاني ادم مرة اخرى يزف لي البشرى
ادم:
اتأكدت يا ماما اتأكدت من مشاعرهاااا ويااااااااه اخيراااا
اخيرااا يا امي ’ طلعت بتحبني هي كمان
فضحكت له وشكرت الله انه لم يمنح ابني حظ سيئا مثلي:
الحمد الله يا حبيبي الحمد الله
ادم:
طيب بعد اذنك بقى يا ماما لما النتيجة تظهر نروح ونتقدم
لاهلها؟
انا:
بس ... مش تستنى يا بني لما تشتغل الاول ؟ ولا هتتقدم لاهل
البنت وتقولهم هتصرف عليها منين؟
ادم:
ههههههه وهو ده موضوع يفووت على ابنك دومة حبيبك برضو!! انا
روحت قدمت ورقي في شركة
وقالوا انهم مستعدين يشغلوني فووورا بعد ما اتخرج والبركة
فيكي بقى يا ست الحبايب! تخيلوا اول ما
عرفوا اني ابنك فرحوا بيا اوووي وعلى طول وظفوووني..
ابتسمت له ابتسامة تحمل كل معاني الضعف وقلت:
ربنا يوفقك يا حبيبي
وهاهو الزمن يأتيني مرة اخرى مع لعبة جديدة فنجح ادم وطلب
مني ان ارافقه حين يطلب يد فتاته من والدها وجلسنا في بيتها ننتظر قدوم
والدها وماهي الا لحظات حتى رأيتك أمامي!
*************************************
بعد فراق دام أكثر من أربعين عاما,دخلت بابتسامتك المعهودة
التي مازلت اتذكر تفاصيلها وقلت:
أهلا وسهلا
فوقف أدم ورحب بك ثم نظرت لي ووقفت مصعوقا!
نعم انا من هربت منها في الماضي واليوم اتيتك بطفلي الصغيرلتعيد
ابنتك نفسك قصة والدتها تسرق طفلي مني!
عجبت لك يازمن
******************************************
اتعرف اول ماالتقت عيناك بعيناي ماذا خطر ببالي؟ خطر ببالي
كلمات تلك الاغنية التي تقول:
قد الحروف اللى فى اسامى العاشقين بحبك
قد الثوانى والدقايق والسنين بحبك
قد الهموم اللى فى قلوب البشر
قد العيون اللى كحلها السهر
قد ما قلبى اشتكى من نار حبك
قد ما ليلى حكى عن طول بعدك
قد الحروف اللى فى اسامى العاشقين
قد الدموع اللى فى عيون المجروحين
انا بحبك
ابتسمت بخوف لي ثم جلسنا لم تنطق ولم انطق وكأن مفاجأة
العمر انستنا منطق الكلام!
ثم شرع طفلي يتحدث عني وعن والده الذي لا يتذكر منه سوى اسمه وعن حياتنا في
الخارج وعن عودتنا الى وطننا الحبيب وانه كيف التقى بفتاتك الصغيرة وانه يريد ان
يتقدم لها وانت في عالم اخر وانا
في عالم ثالث..نظرت اليه وتفحصته وكانك انتبهت انه يشبهك ثم نظرت لي نظرة لم افهم
معناها اهي نظرة شوق ؟ ام نظرة عتاب؟ ام انها نظرة توحي بالقلق والخوف من ماضي ظننت
انت انك دفنته وسرت في جنازته ولن يحي مرة اخرى.
لكن هذا هو قدر الانسان فكلنا لا نستطيع ان نهرب من ماضينا ولو عشنا
الاف السنين.. وأيقظك صوت طفلي من غيبوبة التفكير التي شرعت بها
فقلت له بكل برود:
سبني افكر وهرد ليك جواب بأذن الله
ابتسم طفلي الصغير وقال:
اا اكيد طبعا يا عمي طبعا طبعا
ثم نظر لي ففهمت بان وقت رحيلنا قد جاء فستأذنا ورحلت من منزلك دون ان ارى
حتى فتاتك او تلك المراة التي سلبتك مني!
ودون حتى ان انطق ببنت شفه!!
******************************************
عدت الى منزلي وطلبت من ادم ان يحكي لي كيف تعرف على فتاتك
وقال لي:
اتعرفت عليها في الجامعة , في البداية مكنتش واخد بالي منها
وبعدين لقيت الصدف بتجمعني بيها كتير
ومن هنا بقى بدأت القصة.. لكن ملاحظتيش حاجة يا ماما؟
باباها فيه حاجة !!
دق قلبي بخوف ونظرت الى عين طفلي بقلق وقلت له:
ليه؟
فقال لي ادم:
اول ما شافنا حسيت انه مذهول ومتفاجىء اوووي وبعدين اانا
قلت لنفسي يمكن لانك انتي مشهورة بس
من ساعة ما قعد منطقش بـ ولا كلمة ! حسيت انه مش معانا !؟
حتى انتِ حسيتك في دنيا تانية؟ هو فيه
حاجة يا ماما؟
فقلت له لاطمئنه:
لا لل لا يا حبيبي دي ممكن تكون طبيعة ردة فعله
ولكن انا من كنت احتاج الى من يطمئني من ردة فعلك..امعقول
كان لقاءنا هذا بعد فراق دام لاربعين عاما؟ اترى هي صدمة الموقف التي جعلت موجة برود تكتسح مشاعرنا
للحظات ؟؟ ام ان هول الموقف جعلنا جامدين دون حراك! حتى انا نفسي لم اصدق ان ولعي
وولع السنين بك يقف ساكنا
دون حراك حين تلتقي أعيننا..وأين امرأتك التي سلبتك مني؟لماذا لم أراها؟ ولماذا لم
اتكلم حينها وكأني قد أصبت بشلل لمدة خمس عشرة دقيقة!
وفجأة دق هاتفي فأجبت:
نعم
واتاني صوتك من بعيد وكأنه اشراقة شمس بعد ليل حزين دام
طويلا ,اتاني صوتك كبهجة اشرقت كهف كساه الالم والانين,بل اتاني وكانه قطرة ماء روت عطش انسان كاد
يموت من قحط الصحراء,ولم اصدق نفسي وقتها فقلت لك:
............................
استنووني الحلقــــــــــة الجاية