بَالَريِـــنـــا
لا أعلم ماذا كُنت أُمثِلُ لهُ في حياته؟! هل انا عاهرة المساء التي يتلذذ بعرضها كل
ليلة؟! أم انا حظاً لم يعثُر عليهِ في الواقع؟
كعادته آتاني هذا المساءَ يحملُ حزنهُ فوق كاهليه .. جلس فوق أريكتهُ وأَلقى بالتحية
قاطباً جبينهُ ..
ألقى بسترتهِ دون أي مبالاةً وأخرجَ سجائرهُ وظل يَنفِثُ بعصبية..
لابد أن تلك الآخرى اغضبتهُ أعترفُ بأني أغار كثيراً ولكنني لا أقوى على الاعتراضِ.
هل لأمثالي أن يعترضوا؟ ان يٓقعوا فريسةٓ الحُبِ؟ أمثالي خفافيش المساء ‘ يَقبعون
خَلفَ ستارهٍ خفيةٍ من العيون ..
ولكني كأُنثى حَمقاء أَردتُ أن أتمردَ على كل قوانين أمثالي .. فخرجتُ من
شرنقتي وأبيتَ تلك القيود التي فُرضت عليّ.. ربما لا أحملُ سوى شهادة الرقصِ التي
تجلعني أرى انبهارهُ كُل ليلة بِرقصي..
ارى نَشوة تعتريه حين يطلُب مني أن أرقُصَ لهُ وحده..
يُحبَني هو ‘ نعم أعلم ان حُبي يسكُنه ولكنه لا يُصرح بذلك أمام العَلن.. يخشى ان
ينعتهُ الآخرون بالجنون..
عِشقي له يتحدى كل مدارك العقل ولا يستوعبهُ أي مَنطق!! ومع ذلك أرقُص له بكلِ
هيَام ودون مللٍ او كللٍ!! قال لي مرة:
سأُناديكِ بأسم حوريتي.. أحبها وأُحبك لذا سأناديك بأسمها!!
أغمضتُ عيني بألمٍ وحسرة ‘ كدت العنهُ ألف مَرة! كَيف أخذت به الوقاحة لهذه الدرجة
ان يُشَبه غريمتهُ بيّ؟!
أنا احقُ مِنها بكثير ‘ أنا من تتحملَ ذلاتهِ وغفواته ِ‘ أنا من تستطيع كَبح جُم غَضبهِ!
أنا من ترقص ليلاً ونهاراً لتُرضيَ رغباتهِ المكبوتة كرجلٍ شرقيّ تُلاوعهُ عَشيقَته!
أنا من ينفث دخان سجائرهِ في وجهها !
أنا من تتحمل رائحتهِ المُشمئزة المُنبعثة من فٓاه تَجرع الكثير من كؤوسِ الخمرِ!
أنا من يتعرى أمامها دون خَجل..
و أنا أيضاً من تَحفظ تقاسيم جَسدهْ! وأعلمُ كم حسنة تَقبع في ظهره !! أحفظُ ابتسامتهِ
الخمس جيداً..
ابتسامةُ المُجاملات تلك التي تَظهر في الُمناسبات ‘ ابتسامة خَجل حينَ يسمعُ اطراء
من شخصٍ ما ابتسامة ألم حين يَتشاجر مع تلك الآخرى فتجرح قلبهُ الرَقيق ولا يقوى
وقتها الا على الابتسام ابتسامة سعادة حين يبتهلُ العِشق ويفيض من منابعِ عيناه
وابتسامتهُ الأخيرة والأروع حين ينبهر دائماً برقصي أنا..
لا أخجل حين يُمرر يديهِ بكُل اتقان فوق تضاريسي ويهمس في أذني:أُحِبكِ !! لا آبه
ان كُنتُ عاهرته ولا يُخجلني وضع يَديه التي تمر يوميا وباستمرار كلما هَمِمتُ
بالرقص.. تُشبعني نظراته المُنبهرة التي تكاد تَلتهمني وأنا أرقُص لهُ على موسيقى
ناعمة تتغلغلُ داخل شرايينَه ‘ فيعمُ الهدوء في سائر أنحاء جَسدهْ..
وهي؟ من هي تلك التي تُحاول ان تُشاركني فيه؟! لم تعلم بعد انهُ يخونها دوماً مَعي..
الآن سأقف عن الرقص مُتذمرةً ‘ سأصرُخ متمردةً لن أرقُص من جديد لهُ! لاُبد أن
أحرِمهُ من نَعيمي ..
حتى لو أدار مُفتاح صُندوق الموسيقى الذي أقبع بداخله مسجونة لن أرقُص..
كفى غباءً مني واستسلام ‘ كفا رقصاً على الجُروح ‘ ما عدت أقوى على لِعب دَور
اني مُجرد دُمية غَبية يُحركها أينَما شاء ان يَبتسم!! هاهوَ يَنظُر ليْ بتعَجُب وغضب في آن واحد!
لماذا أوقفتُ الرقص قبل ان تنتهي دورة الموسيقى؟ آراه يحاول كثيراً ان يجعلني
أرقُص رُغماً عَني..
هاهو يَصرُخ:
لا ينقُصني سواء استيائك انتِ أيضا أُيتها الدمية البلهاء!!
يا ألهي لقد نَعتني تَوهُ بالبلهاء؟! نعم هو مُحق ‘ انا بلهاء لأنني أضَعت عمراً أرقُص له
فوق ندُوبي وجُروحي ‘ أضعت عمراً وانا أنتظرهُ لِيشعُر بهيامٍ ينبع من كل وترٍ داخل
موسيقاي..
نعم أنا بلهاء لأنني ظَننتُ بأنهُ يوماً ما سيشعُر بدُمية تَقبع داخل صُندوق الموسيقى هذا!!
ذهبَ وولى وتركني هُنا في آخر الركن بعدما ألقى بي بيديه غاضباً .. ولكنهُ حين يَعود
لأدراج عقله سيعلم ان غضبهُ كَسرَني كَسرَني للأبد ولن أعُودَ للرقصِ من جديد..